مجمع البحوث الاسلامية

25

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

على أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا قدم عليه وفد نصارى نجران ، وفيهم الأسقفّ وهو أبو حارثة بن علقمة ، والسّيّد والعاقب وغيرهم من رؤسائهم ، فدار بينهم وبين رسول اللّه في معنى المسيح عليه السّلام - ما هو مشروح في كتب التّفاسير ولا حاجة بنا إلى استقصاء شرحه ، لأنّه خارج عن غرضنا في هذا الكتاب - فلمّا دعاهم صلّى اللّه عليه وآله إلى الملاعنة ، أقعد بين يديه أمير المؤمنين عليّا ، ومن ورائه فاطمة ، وعن يمينه الحسن ، وعن يساره الحسين عليهم السّلام أجمعين ، ودعاهم هو صلّى اللّه عليه وآله إلى أن يلاعنوه ، فامتنعوا من ذلك خوفا على أنفسهم ، وإشفاقا من عواقب صدقه وكذبهم ؛ وكان دعاء الأبناء مصروفا إلى الحسن والحسين عليهما السّلام ، ودعاء النّساء مصروفا إلى فاطمة عليها السّلام ، ودعاء الأنفس مصروفا إلى أمير المؤمنين عليه السّلام ، إذ لا أحد في الجماعة يجوز أن يكون ذلك متوجّها إليه غيره ، لأنّ دعاء الإنسان نفسه لا يصحّ ، كما لا يصحّ أن يأمر نفسه . وفي هذه الآية أيضا دليل على أنّ ابن البنت يسوغ تسميته ابنا في لسان العرب ، ألا ترى إلى قوله تعالى : فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ . . . ، وقد أجمع العلماء على أنّ المراد بذلك الحسن والحسين عليهما السّلام . وقد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال للحسن : إنّ ابني هذا سيّد . وقد قال بعضهم : أنّ هذا مخصوص في الحسن والحسين أن يسمّيا ابني رسول اللّه دون غيرهما ، قال : ومن الدّليل على خصوص ذلك فيهما قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلّا سببي ونسبي » ، وليس يتوجّه قوله : ونسبي ، إلّا إلى من ولدته فاطمة ابنته عليها السّلام ؛ إذ ليس هناك ولد ذكر من صلبه اتّصل نسبه وضرب عرقه ، فالنّسب إليه من ولد ابنته . وروى الحسن بن زياد اللّؤلؤيّ صاحب أبي حنيفة ، عنه : « إنّ من أوصى لولد فلان ، وله ولد ابن وولد بنت ، دخل ولد البنت في الوصيّة » ؛ فعلى هذا القول يسوغ أن يسمّى ابن البنت ولدا . وقال لي شيخنا أبو بكر محمد بن موسى الخوارزميّ : رواية الحسن بن زياد في ذلك تخالف قول محمّد بن الحسن ، فإنّ محمّدا يقول في هذه المسألة : « إنّ الوصيّة لولد الابن دون ولد البنت » . فإن قال قائل : كيف صحّ دخول الحسن والحسين في المباهلة وهي : الملاعنة ، وهما صغيران ، والأطفال لا يستحقّون اللّعن ، ولو كانوا أطفال المشركين ، لأنّهم لا ذنوب لهم استحقّوا بها ذلك ؟ فالّذي أجاب به قاضي القضاة أبو الحسن في هذا : أنّ العقوبات النّازلة في تكذيب الأنبياء عليهم السّلام على وجه الاستئصال تكون عامّة تدخل فيها الصّغار ، وإن كان ما ينالهم على وجه المحنة لا على وجه العقوبة ، ويجري ذلك مجرى ما ينزل بهم من الأمراض والأسقام والجرائح العظام وطوارق الحمام ، وقد أومأ أبو عليّ إلى هذا الجواب في تفسيره . وقال أيضا : « ممّا يدلّ على أنّه تعالى لم يعن الصّغار باللّعن قوله : فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ، والأطفال لا يدخلون تحت هذا الاسم ، لأنّ الكاذبين هم الّذين كذبوا على اللّه ورسوله ، والأطفال ليسوا بهذه الصّفة ، فقد خرجوا من استحقاق اللّعنة » . ( 229 ) الماورديّ : وفي قوله : نَبْتَهِلْ تأويلان : أحدهما : نلتعن ، والثّاني : ندعو بهلاك الكاذب . [ ثمّ استشهد بشعر ]